صفات النبي صلى الله عليه وسلم الخَلقيِة

 

صفة لونه:

عن أنس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، أزهر اللون، ليس بالأدهم و لا بالأبيض الأمهق (أي لم يكن شديد البياض والبرص )، يتلألأ نوراً ".

صفة وجهه:

كان عليه الصلاة والسلام أسيَل الوجه مسنون الخدين ولم يكن مستديراً غاية التدوير، بل كان بين الاستدارة والإسالة هو أجمل عند كل ذي ذوق سليم. وكان وجهه مثل الشمس والقمر في الإشراق والصفاء، مليحاً كأنما صيغ من فضة لا أوضأ ولا أضوأ منه وكان صلى الله عليه و سلم إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنَّ وجهه قطعةُ قمر. قال عنه البراء بن عازب: " كان أحسن الناس وجهًا و أحسنهم خَلقا ".

صفة جبينه:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيل الجبين"، (الأسيل: هو المستوي)، أخرجه عبد الرازق والبيهقي ابن عساكر.

وكان صلى الله عليه وسلم واسع الجبين أي ممتد الجبين طولاً وعرضاً، والجبين هو غير الجبهة، هو ما اكتنف الجبهة من يمين وشمال، فهما جبينان، فتكون الجبهة بين جبينين. وسعة الجبين محمودة عند كل ذي ذوق سليم.

وصفه ابن أبي خيثمة فقال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجلى الجبين ، إذا طلع جبينه بين الشعر أو طلع من فلق الشعر أو عند الليل أو طلع بوجهه على الناس، تراءى جبينه كأنه السراج المُتوقَّد يتلألأ".

صفة حاجبيه:

حاجباه قويان مقوَّسان، متّصلان اتصالاً خفيفاً، لا يُرى اتصالهما إلا أن يكون مسافراً وذلك بسبب غبار السفر.

صفة عينيه:

كان عليه الصلاة والسلام مشرب العينين بحمرة، وقوله مشرب العين بحمرة: هي عروق حمر رقاق وهي من علاماته صلى الله عليه وسلم التي في الكتب السالفة. وكانت عيناه واسعتين جميلتين، شديدتي سواد الحدقة، ذات أهداب طويلة (أي رموش العينين)، ناصعتي البياض و كان عليه الصلاة والسلام أشكل العينين، قال القسطلاني في المواهب: الشُكلة بضم الشين هي الحمرة تكون في بياض العين وهو محبوب محمود.

قال الزرقاني: قال الحافظ العراقي: هي إحدى علامات نبوته صلى الله عليه وسلم، ولما سافر مع ميسرة إلى الشام سأل عنه الراهب ميسرة فقال: في عينيه حمرة؟ فقال: ما تفارقه، قال الراهب: هو (شرح المواهب).

وكان صلى الله عليه وسلم" إذا نظرت إليه قُلت أكحل العينين وليس بأكحل"، رواه الترمذي.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كانت عيناه صلى الله عليه وسلم نجلاوان أدعجهما - والعين النجلاء الواسعة الحسنة والدعج: شدة سواد الحدقة، ولا يكون الدعج في شيء إلا في سواد الحدقة - وكان أهدب الأشفار حتى تكاد تلتبس من كثرتها "، أخرجه البيهقي في الدلائل وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق.
 

صفة أنفه:

يحسبه من لم يتأمله أشماً ولم يكن أشماً وكان مستقيماً، أقنى أي طويلاً في وسطه بعض ارتفاع، مع دقة أرنبته (الأرنبة هي ما لان من الأنف).

صفة خـدّيه:

كان صلى الله عليه وسلم صلب الخدين. وعن عمار بن ياسر رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسَلِّمُ عن يمينه وعن يساره حتى يرى بياض خده "، أخرجه ابن ماجه وقال مقبل الوادي هذا حديث صحيح.
 

صفة فمه وأسنانه:

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أشنب مفلج الأسنان (الأشنب: هو الذي في أسنانه رقة وتحدد)، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والترمذي في الشمائل وابن سعد في الطبقات والبغوي في شرح السنة.

و عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، ضليع الفم (أي واسع الفم) جميلهُ، وكان من أحسن عباد الله شفتين وألطفهم ختم فم. وكان عليه الصلاة والسلام وسيماً أشنب (أبيض الأسنان مفلج أي متفرق الأسنان، بعيد ما بين الثنايا والرباعيات)، أفلج الثنيَّتين (الثنايا جمع ثنية بالتشديد وهي الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت، والفلج هو تباعد بين الأسنان)، إذا تكلم رُئِيَ كالنور يخرج من بين ثناياه "، (النور المرئي يحتمل أن يكون حسياً كما يحتمل أن يكون معنوياً فيكون المقصود من التشبيه ما يخرج من بين ثناياه من أحاديثه الشريفة وكلامه الجامع لأنواع الفصاحة والهداية).
 

صفة ريقه:

لقد أعطى الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم خصائص كثيرة لريقه الشريف ومن ذلك أن ريقه صلى الله عليه و سلم فيه شفاء للعليل، ورواء للغليل و غذاء و قوة و بركة ونماء ... فكم داوى صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف من مريض فبرىء من ساعته !.

جاء في الصحيحين عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر: لأعطِيَنَّ الراية غداً رجلاً يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله. فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلهم يرجو أن يُعطاها ، فقال صلى الله عليه وسلم: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: فأرسلوا إليه.

فأُتِيَ به وفي رواية مسلم: قال سلمة: فأرسلني رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى علي، فجئت به أقوده أرمد فتفل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عينيه، فبرىء كأنه لم يكن به وجع ...

و روى الطبراني و أبو نعيم أنَّ عميرة بنت مسعود الأنصارية وأخَواتها دخلن على النبي صلى الله عليه و سلم يبايعنَه، و هن خمس، فوجدنَه يأكل قديداً (لحم مجفَّف)، فمضغ لهن قديدة، قالت عميرة: ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهن، فمضغَت كل واحدة قطعة فلَقَينَ الله تعالى وما وُجِدَ لأفواههن خلوف، (أي تغَيُّر رائحة فم).  

صفة لحيته:

- " كان رسول الله صلى الله عليه حسن اللحية"، أخرجه أحمد وصححه أحمد شاكر.

و قالت عائشة رضي الله عنها: " كان صلى الله عليه وسلم كث اللحية، (والكث: الكثير منابت الشعر الملتفها)، وكانت عنفقته بارزة، وحولها كبياض اللؤلؤ، في أسفل عنفقته شعر منقاد حتى يقع انقيادها على شعر اللحية حتى يكون كأنه منها"، أخرجه أبو نعيم والبيهقي في دلائل النبوة وابن عساكر في تهذيب تاريخ دمشق وابن أبي خيثمة في تاريخه.

وعن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: "كان في عنفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم شعرات بيض"، أخرجه البخاري.

وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: "لم يختضب رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما كان البياض في عنفقته " أخرجه مسلم.

 

كما كان صلى الله عليه وسلم أسود كثُّ اللحية، بمقدار قبضة اليد ، يُحسِّنهُا ويُطيِّبهُا (أي يضع عليها الطيب). وكان صلى الله عليه وسلم يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته ويكثر القناع كأنَّ ثوبه ثوب زيات، أخرجه الترمذي في الشمائل والبغوي في شرح السنة. وكان من هديه عليه الصلاة والسلام حف الشارب وإعفاء اللحية.
 

صفة رأسه:

كان النبي صلى الله عليه وسلم ذا رأس ضخم.
 

صفة شعره:

كان شديد السواد رَجِلاً (أي ليس مسترسلاً كشعر الروم ولا جعداً كشعر السودان وإنَّما هو على هيئة المُتَمَشِّط). يصل إلى أنصاف أذنيه حيناً ويرسله أحياناً فيصلإلى شَحمَة أُذُنيه أو بين أذنيه و عاتقه، وغاية طوله أن يضرب مَنكِبيه إذا طال زمان إرساله بعد الحلق، وبهذا يُجمَع بين الروايات الواردة في هذا الشأن، حيث أخبر كل واحدٍ من الرواة عمَّا رآه في حين من الأحيان.

قال الإمام النووي: " هذا، ولم يحلق النبي صلى الله عليه وسلم رأسه (أي بالكلية) في سِنيّ الهجرة إلا عام الحُديبية ثم عام عُمرة القضاء ثم عام حجة الوداع ". قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير شعر الرأس راجله"، أخرجه أحمد والترمذي وقال حسن صحيح.

ولم يكن في رأس النبي صلى الله عليه و سلم شيب إلا شُعيرات في مفرِق رأسه، فقد أخبر ابن سعيد أنه ما كان في لحية النبي صلى الله عليه و سلم و رأسه إلا سبع عشرة شعرة بيضاء وفي بعض الأحاديث ما يفيد أن شيبه لا يزيد على عشرة شعرات وكان عليه الصلاة والسلام إذا ادَّهن واراهُنَّ الدهن (أي أخفاهن)، وكان يدَّهِن بالطيب والحِنَّاء.

وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: " كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه، وكان أهل الكتاب يُسدِلون أشعارهم وكان المشركون يَفرقون رؤوسهم، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم ناصيته ثم فرق بعد "، أخرجه البخاري ومسلم.

وكان رجل الشعر حسناً ليس بالسبط ولا الجعد القطط، كما إذا مشطه بالمشط كأنه حُبُك الرَّمل، أو كأنه المتون التي تكون في الغُدُر إذا سفتها الرياح، فإذا مكث لم يرجل أخذ بعضه بعضاً، وتحلق حتى يكون متحلقاً كالخواتم ، لما كان أول مرة سدل ناصيته بين عينيه كما تسدل نواصي الخيل جاءه جبريل عليه السلام بالفِرق ففرق.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنتُ إذا أردتُ أن أفرق رأس رسول الله صَدعْت الفرق من نافوخه وأرسلُ ناصيته بين عينيه "، أخرجه أبو داود وابن ماجه.

وكان صلى الله عليه وسلم يُسدِلُ شعره أي يُرسِله ثم ترك ذلك وصار يَفرِقُهُ، فكان الفَرقُ مستحباً، وهو آخِرُ الأمرين منه صلى الله عليه وسلم. و فَرقُ شعر الرأس هو قسمته في المَفرِقِ وهو وسط الرأس . وكان يبدأ في ترجيل شعره من الجهة اليمنى، فكان يفرق رأسه ثم يُمَشِّطُ الشِّق الأيمن ثم الشِّق الأيسر.

وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يترَجَّل غباً (أي يُمشط شعره و يتَعَهَّدُهُ من وقت إلى آخر).

وعن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيمن في طهوره (أي الابتداء باليمين) إذا تطهر وفي ترجله إذا ترجل وفي انتعاله إذا انتعل ، أخرجه البخاري.
 

صفة عنقه ورقبته:

رقبته فيها طول، أما عنقه فكأنه جيد دمية (الجيد: هو العنق. والدمية: هي الصورة التي بولغ في تحسينها).

عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: " كأن عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم إبريق فضة "، أخرجه ابن سعد في الطبقات والبيهقي.

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: " كان أحسن عباد الله عنقاً، لا ينسب إلى الطول ولا إلى القصر، ما ظهر من عنقه للشمس والرياح فكأنه إبريق فضة يشوب ذهباً يتلألأ في بياض الفضة وحمرة الذهب، وما غيب في الثياب من عنقه فما تحتها فكأنه القمر ليلة البدر "، أخرجه البيهقي وابن عساكر.
 

صفة منكِبيه:

كان عليه الصلاة و السلام أشعر المنكبين (أي عليهما شعر كثير)، واسع ما بينهما، والمنكب هو مجمع العضد والكتف. والمراد بكونه بعيد ما بين المنكبين أنه عريض أعلى الظهر ويلزمه أنه عريض الصدر مع الإشارة إلى أن بُعد ما بين منكبيه لم يكن منافياً للاعتدال. وكان كَتِفاه عريضين عظيمين.

صفة خاتم النبوة:

وهو خاتم أسود اللون مثل الهلال وفي رواية أنه أخضر اللون، وفي رواية أنه كان أحمراً، وفي رواية أخرى أنه كلون جسده. والحقيقة أنه لا يوجد تدافع بين هذه الروايات لأن لون الخاتم كان يتفاوت باختلاف الأوقات، فيكون تارة أحمراً وتارة كلون جسده و هكذا بحسب الأوقات. ويبلغ حجم الخاتم قدر بيضة الحمامة، و ورد أنه كان على أعلى كتف النبي صلى الله عليه و سلم الأيسر. وقد عرف سلمان الفارسي رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الخاتم.

وعن عبد الله بن سرجس قال: " رأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وأكلتُ معه خبزاً ولحماً وقال ثريداً.

فقيل له: أستغفر لك النبي؟ قال: نعم ولك ، ثم تلى هذه الآية: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} [محمد: 19]. قال: " ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغض كتفه اليسرى عليه خيلان كأمثال الثآليل "، أخرجه مسلم.

قال أبو زيد رضي الله عنه: " قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم اقترب مني، فاقتربت منه، فقال: أدخل يدك فامسح ظهري، قال: فأدخلتُ يدي في قميصه فمسحتُ ظهره فوقع خاتم النبوة بين أصبعي قال: فسئل عن خاتم النبوة فقال: " شعرات بين كتفيه "، أخرجه أحمد والحاكم وقال (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي.

اللهم كما أكرمت أبا زيد رضي الله عنه بهذا فأكرمنا به يا ربنا يا إلهنا يا من تعطي السائلين من جودك وكرمك ولا تبالي.
 

صفة إبطيه:

كان عليه الصلاة والسلام أبيض الإبطين، وبياض الإبطين من علامة نُبُوَّتِهِ إذ إن الإبط من جميع الناس يكون عادة مُتَغَيِّر اللون.

قال عبد الله بن مالك رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرَّج بين يديه (أي باعد) حتى نرى بياض إبطيه "، أخرجه البخاري.

وقال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد جافى حتى يُرى بياض إبطيه "، أخرجه أحمد وقال الهيثمي في المجمع رجال أحمد رجال الصحيح.
 

صفة ذراعيه:

كان عليه الصلاة والسلام أشعر، طويل الزندين (أي الذراعين)، سبط القصب (القصب يريد به ساعديه).
 

صفة كفيه:

كان صلى الله عليه وسلم رحب الراحة (أي واسع الكف) كفه ممتلئة لحماً، غير أنّها مع غاية ضخامتها كانت لَيِّنَة أي ناعمة. قال أنَس رضي الله عنه: "ما مَسَستُ ديباجة ولا حريرة أليَنَ من كَفِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم". وأمَّا ما ورد في روايات أخرى عن خشونة كفيه وغلاظتها، فهو محمول على ما إذا عَمِل في الجهاد أو مهنة أهله، فإنّ كفه الشريفة تصير خشنة للعارض المذكور (أي العمل) وإذا ترك رجعت إلى النعومة.

وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " صليتُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله وخرجتُ معهُ فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحداً واحداً. قال: وأما أنا فمسح خدي. قال: "فوجدتُ ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جونة عطار"، أخرجه مسلم.
 

صفة أصابعه:

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سائل الأطراف، قوله ( سائل الأطراف يريد الأصابع أنها طوال ليست بمنعقدة)، أخرجه الطبراني في المعجم الكبير والترمذي في الشمائل وابن سعد في الطبقات والحاكم مختصراً والبغوي في شرح السنة والحافظ في الاصابة.
 

صفة صَدره:

عريض الصدر، مُمتَلِىءٌ لحماً، ليس بالسمين ولا بالنَّحيل، سواء البطن والظهر. وكان صلى الله عليه و سلم أشعر أعالي الصدر، عاري الثديين والبطن (أي لم يكن عليها شعر كثير) طويل المَسرَبَة و هو الشعر الدقيق.
 

صفة بطنه:

قالت أم معبد رضي الله عنها: "لم تعبه ثُلجه"، الثلجة: كبر البطن.
 

صفة سرته:

عن هند بن أبي هالة رضي الله عنه: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم.. دقيق المسربة موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك: حديث هند تقدم تخريجه. واللَّبَةُ المنحر وهو النقرة التي فوق الصدر.
 

صفة مفاصله وركبتيه:

كان صلى الله عليه و سلم ضخم الأعضاء كالركبتين والمِرفَقين و المنكبين والأصابع، وكل ذلك من دلائِل قوَّته عليه الصلاة والسلام.
 

صفة ساقيه :

عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "... وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم كأني أنظر إلى بيض ساقيه"، أخرجه البخاري في صحيحه.
 

صفة قدميه:

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان النبي صلى الله عليه وسلم خمصان الأخمصين مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء ششن الكفين والقدمين". قوله: خمصان الأخمصين: الأخمص من القدم ما بين صدرها وعقبها، وهو الذي لا يلتصق بالأرض من القدمين، يريد أن ذلك منه مرتفع. مسيح القدمين: يريد أنهما ملساوان ليس في ظهورهما تكسر لذا قال ينبو عنهما الماء يعني أنه لا ثبات للماء عليها وسشن الكفين والقدمين أي غليظ الأصابع والراحة رواه الترمذي في الشمائل والطبراني.

وكان صلى الله عليه و سلم أشبَهَ النَّاس بسيدنا إبراهيم عليه السلام، وكانت قدماه الشَّريفتان تُشبهان قدمي سيدنا إبراهيم عليه السلام كما هي آثارها في مقام سيدنا إبراهيم عليه السلام.
 

صفة عَقِبيه:

كان الرسول صلى الله عليه و سلم مَنهوس العَقِبَين أي لحمهما قليل.
 

صفة قامته و طوله:

عن أنس رضي الله عنه قال: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم رَبعَة من القَوم" (أي مربوع القامة)، ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، وكان إلى الطول أقرب. وقد ورد عند البَيهَقي وابن عساكر أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يُماشي أحداً من الناس إلا طاله، و لرُبَّما اكتنفه الرجُلان الطويلان فيطولهما فإذا فارقاه نُسِبَ إلى الرَّبعة، وكان إذا جلس يكون كتفه أعلى من الجالس. وبالجملة كان صلى الله عليه وسلم حسن الجسم، معتدل الخَلق ومتناسب الأعضاء.
 

صفة عَرَقِه:

عن أنس رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه و سلم أزهر اللون كأنَّ عَرَقه اللؤلؤ " (أي كان صافياً أبيضاً مثل اللؤلؤ ) ... وقال أيضاً: "ما شَمَمتُ عنبراً قط و لا مسكاً أطيب من ريح رسول الله صلى الله عليه وسلم"، أخرجه البخاري ومسلم واللفظ له. وعن أنس أيضاً قال: " دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فَقَال (أي نام) عندنا، فعرِقَ وجاءت أمي بقارورة فجعلت تَسلُتُ العَرَق، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا أم سُلَيم ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: عَرَق نجعله في طيبنا وهو أطيَب الطيب"، رواه مسلم، وفيه دليل أن الصحابة كانوا يتبرَّكون بآثار النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أقرَّ الرسول عليه الصلاة والسلام أم سُليم على ذلك.

وكان صلى الله عليه وسلم إذا صافحه الرجل وجد ريحه (أي تبقى رائحة النبي عليه الصلاة والسلام على يد الرجل الذي صافحه)، وإذا وضع يده على رأس صبي، فيظل يومه يُعرَف من بين الصبيان بريحه على رأسه.

 

ما جاء في اعتدال خَلقِه صلى الله عليه وسلم:

قال هند بن أبي هالة رضي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم معتدل الخلق، بادن متماسك، سواء البطن والصدر"، أخرجه الطبراني والترمذي في الشمائل والبغوي في شرح السنة وابن سعد وغيرهم.

قال البراء بن عازب رضي الله عنه: "كان رسول الله أحسن الناس وجهاً وأحسنهم خَلقاً"، أخرجه البخاري ومسلم.

 

الرسول المبارك صلى الله عليه و سلم بِوَصفٍ شامل:

يُروى أن الرسول صلى الله عليه وسلم وأبا بكر رضي الله عنه ومولاه ودليلهما، خرجوا من مكة ومَرّوا على خيمة امرأة عجوز تُسمَّى (أم مَعْبد)، كانت تجلس قرب الخيمة تسقي وتُطعِم، فسألوها لحماً وتمراً ليشتروا منها، فلم يجدوا عندها شيئاً. نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في جانب الخيمة، وكان قد نَفِدَ زادهم وجاعوا.

سأل النبي عليه الصلاة والسلام أم معبد: ما هذه الشاة يا أم معبد؟

فأجابت أم معبد: شاة خلَّفها الجهد والضعف عن الغنم.

قال الرسول صلى الله عليه و سلم: هل بها من لبن؟.

ردت أم معبد: بأبي أنت وأمي ، إن رأيتَ بها حلباً فاحلبها!.

فدعا النبي عليه الصلاة و السلام الشاة، ومسح بيده ضرعها، وسمَّى الله جلَّ ثناؤه ثم دعا لأم معبد في شاتها حتى فتحت الشاة رِجليها، ودَرَّت. فدعا بإناء كبير، فحلب فيه حتى امتلأ، ثم سقى المرأة حتى رويت، و سقى أصحابه حتى رَوُوا (أي شبعوا)، ثم شرب آخرهم، ثم حلبَ في الإناء مرة ثانية حتى ملأ الإناء، ثم تركه عندها وارتحلوا عنها ... وبعد قليل أتى زوج المرأة (أبو معبد) يسوق أعنُزاً يتمايلن من الضعف، فرأى اللبن!!.

قال لزوجته: من أين لكِ هذا اللبن يا أم معبد و الشاة عازب (أي الغنم) ولا حلوب في البيت؟!!.

أجابته: لا والله، إنه مَرَّ بنا رجل مُبارَك من حالِه كذا وكذا.

فقال لها أبو مـعبد: صِفيه لي يا أم مـعبد !!.

أم معبد تَصِفُ رسول الله صلى الله عليه وسلم:

رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلَجَ الوجهِ (أي مُشرِقَ الوجه)،لم تَعِبه نُحلَة (أي نُحول الجسم) ولم تُزرِ به صُقلَة (أنه ليس بِناحِلٍ ولا سمين)، وسيمٌ قسيم (أي حسن وضيء)، في عينيه دَعَج (أي سواد)، وفي أشفاره وَطَف (طويل شعر العين)، وفي صوته صحَل (بحَّة و حُسن)، و في عنقه سَطع (طول)، وفي لحيته كثاثة (كثرة شعر)، أزَجُّ أقرَن (حاجباه طويلان و مقوَّسان و مُتَّصِلان)، إن صَمَتَ فعليه الوقار، و إن تَكلم سما و علاهُ البهاء، أجمل الناس و أبهاهم من بعيد، وأجلاهم و أحسنهم من قريب، حلوُ المنطق، فصل لا تذْر ولا هذَر (كلامه بَيِّن وسط ليس بالقليل ولا بالكثير)، كأنَّ منطقه خرزات نظم يتحَدَّرن، رَبعة (ليس بالطويل البائن ولا بالقصير)، لا يأس من طول، ولا تقتَحِمُه عين من قِصر، غُصن بين غصين، فهو أنضَرُ الثلاثة منظراً، وأحسنهم قَدراً، له رُفَقاء يَحُفون به، إن قال أنصَتوا لقوله، وإن أمَرَ تبادروا لأمره، محشود محفود (أي عنده جماعة من أصحابه يطيعونه)، لا عابس ولا مُفَنَّد (غير عابس الوجه، وكلامه خالٍ من الخُرافة).

قال أبو معبد: هو والله صاحب قريش الذي ذُكِرَ لنا من أمره ما ذُكِر بمكة، و لقد همَمتُ أن أصحبه، ولأفعَلَنَّ إن وَجدتُ إلى ذلك سبيلا.

و أصبح صوت بمكة عالياً يسمعه الناس، و لا يدرون من صاحبه و هو يقول :

جزى الله رب الناس خيرَ جزائه رفيقين قالا خيمتي أم معبد

هما نزلاها بالهدى و اهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد

حديث حسن قوي أخرجه الحاكم و صححه ، ووافقه الذهبي.

- وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان، وعليه حُلَّة حمراء، فجعلتُ أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسنُ من القمر". (إضحِيان هي الليلة المقمرة من أولها إلى آخرها).

- وما أحسن ما قيل في وصف الرسول صلى الله عليه وسلم:

"وأبيض يُستَسقى الغمام بوجهه ثِمال اليتامى عِصمة للأرامل"

(ثِمال: مُطعِم ، عصمة: مانع من ظُلمهم).

 

ما جاء في حُسن النبي صلى الله عليه وسلم:

لقد وُصِفَ بأنه كان مشرباً حمرة وقد صدق من نعته بذلك، ولكن إنما كان المشرب منه حُمرة ما ضحا للشمس والرياح، فقد كان بياضه من ذلك قد أشرب حمرة، وما تحت الثياب فهو الأبيض الأزهر لا يشك فيه أحد ممن وصفه بأنه أبيض أزهر ...

يعرف رضاه وغضبه وسروره في وجهه وكان لا يغضب إلا لله، كان إذا رضى أو سُرّ استنار وجهه فكأن وجهه المرآة، وإذا غضب تلون وجهه واحمرت عيناه.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: " استعرت من حفصة بنت رواحة إبرة كنت أخيط بها ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فطلبتها فلم أقدر عليها، فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فتبينت الإبرة لشعاع وجهه ... "، أخرجه ابن عساكر والأصبهاني في الدلائل والديلمي في مسند الفردوس كما في الجامع الكبير للسيوطي.

و في ختام هذا العرض لبعض صفات الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الخَلقية التي هي أكثر من أن يحيط بها كتاب لا بد من الإشارة إلى أن تمام الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى خلق بدنه الشريف في غاية الحسن والكمال على وجه لم يظهر لآدمي مثله.

ويرحم الله القائل:

فهو الذي تم معناه وصورته           ثم اصطفاه حبيباً باريء النسم

فتنزه عن شريك في محاسنه          فجوهر الحسن فيه غير منقسم

 

وقيل في شأنه صلى الله عليه وسلم أيضاً:

بلغ العلى بكمـــالـه                  كشف الدجى بجماله

حسنت جميع خصالــه                 صـلـوا عليـه وآلـه

ورحم الله ابن الفارض حيث قال:

وعلى تفنن واصف يفنى الزمان وفيه ما لم يُوصَفِ


مسألة: من المعلوم أن النسوة قطعت أيديهم لما رأين يوسف عليه السلام إذ إنه عليه السلام أوتيَ شطر الحسن، فلماذا لم يحصل مثل هذا الأمر مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ هل يا ترى سبب ذلك أن يوسف عليه السلام كان يفوق الرسول عليه الصلاة والسلام حُسناً وجمالاً؟

الجواب: صحيح أن يوسف عليه السلام أوتي شطر الحُسن ولكنه مع ذلك ما فاق جماله جمال وحُسن النبي صلى الله عليه وسلم. فلقد نال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم صفات كمال البشر جميعاً خَلقاً وخُلُقاً، فهو أجمل الناس وأكرمهم وأشجعهم على الإطلاق وأذكاهم وأحلمهم وأعلمهم إلخ هذا من جهة، ومن جهة أخرى وكما مر معنا سابقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلوه الوقار والهيبة من عظمة النور الذي كلَّله الله تعالى به، فكان الصحابة إذا جلسوا مع النبي صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسهم الطير من الهيبة والإجلال فالطير تقف على الشيء الثابت الذي لا يتحرك.

وما كان كبار الصحابة يستطيعون أن ينظروا في وجهه ويصفوه لنا لشدة الهيبة والإجلال الذي كان يملأ قلوبهم وإنما وصفه لنا صغار الصحابة، ولهذا السبب لم يحصل ما حصل مع يوسف عليه السلام.



 

مَحَبَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ

الحديث عن محبته عليه الصلاة والسلام متعة عظيمة ! أما الألسنة: فتترطب بذكره، والصلاة عليه، وأما الآذان: فتتشنف بسماع سيرته وهديه وحديثه، وأما العقول: فتخضع لما ثبت من الحكم والسنة التي جاء بها عليه الصلاة والسلام، وأما الجوارح والأعضاء: فتنتفع وتتمتع بموافقة هديه وفعله وحاله صلى الله عليه وسلم.
 
أولا :مفهوم المحبة:
 
المحبة كما قال ابن القيم، ووافقه ابن حجر قال: ' المحبة لا تُحَدُّ- أي لا يذكر لها تعريف- إذ هي أمر ينبعث بنفس يصعب التعبير عنه' .
ثم المحبة لها جوانب منها: محبة الاستلذاذ بالإدراك، كحب الصور الجميلة والمناظر والأطعمة والأشربة .. تلك محبة فطرية، أو تكون محبة بإدراك العقل، وتلك المحبة المعنوية التي تكون لمحبة الخصال الشريفة، والأخلاق الفاضلة، والمواقف الحسنة، وهناك محبة لمن أحسن إليك، ولمن قدم لك معروفاً، فتنبعث المحبة حينئذٍ ؛ لتكون ضرباً من ضروب الحمد والشكر، فينبعث الثناء بعد ذلك ترجمة لها وتوضيحاً لمعانيها .
 
قال النووي رحمه الله في كلمةٍ جميلة: وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن، وكمال الجلال، وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياه إلى الصراط المستقيم، ودوام النعم والإبعاد من الجحيم..فإن نظرت إلى وصف هيئته صلى الله عليه وسلم؛ فجمال ما بعده جمال، وإن نظرت إلى أخلاقه وخلاله؛ فكمال ما بعده كمال، وإن نظرت إلى إحسانه وفضله على الناس جميعًا وعلى المسلمين خصوصاً؛ فوفاء ما بعده وفاء .
 
فمن هنا: تعظم محبته صلى الله عليه وسلم ويستولي في المحبة على كل صورها وأعظم مراتبها، وأعلى درجاتها، فهو صلى الله عليه وسلم الحري بأن تنبعث محبة القلوب والنفوس له في كل لحظةٍ، وفي كل تقلبات حياتنا، ولذلك ينبغي أن ندرك عظمة هذه المحبة، وهنا وقفة نتمم بها هذا:
فنحن نتعلق ونرتبط برسول الله صلى الله عليه وسلم من جوانب شتى: في جانب العقل معرفةً وعلماً، نقرأ ونحفظ سيرته وحديثه وهديه وسنته، والواجب منها والمندوب منها ونحو ذلك، ومحبةً بالقلب، وهي عاطفة مشبوبة، ومشاعر جياشة، ومحبة متدفقة، وميلٌ عاصف تتعلق به النفس والقلب برسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من المعاني الحسية والمعنوية .
 
ثم محبة بالجوارح تترجم فيها المحبة إلى الاتباع لسنته وفعله عليه الصلاة والسلام، فلا يمكن أن نقول إن المحبة إتباعٌ فحسب ! فأين مشاعر القلب؟ ولا يصلح أن نقول إنها الحب والعاطفة الجياشة، فأين صدق الإتباع؟ ولا ينفع هذا وهذا ! فأين المعرفة والعلم التي يؤسس بها من فقه سيرته وهديه وأحواله عليه الصلاة والسلام؛ لذا فنحن نرتبط في هذه المحبة بالقلب والنفس، وبالعقل والفكر، وبسائر الجوارح والأحوال والأعمال، فتكمل حينئذٍ المحبة ؛ لتكون هي المحبة الصادقة الخالصة الحقيقية العملية الباطنية، فتكتمل من كل جوانبها؛ لنؤدي بعض حق رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا .
 
ثانيًا:حكم محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
 
هي واجبة على كل مسلمٍ قطعاً، والأدلة على ثبوت وجوبها كثيرة، ومن ذلك قول الله سبحانه- الذي جمع في آيةٍ واحدة كل محبوبات الدنيا، وكل متعلقات القلوب، وكل مطامع النفوس ووضعها في كفةٍ، وحب الله، وحب رسوله في كفةٍ- قال تعالى:{ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ[24]}[سورة التوبة].
 
قال القاضي عياض رحمه الله:' فكفى بهذا حضاً و تنبيهاً و دلالة و حجة على إلزام محبته ، و وجوب فرضها ، و عظم خطرها ، و استحاقه لها صلى الله عليه و سلم ، إذ قرّع تعالى من كان ماله وأهله، وولده أحب إليه من الله، ورسوله، و أوعدهم بقوله تعالى:{ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ}، ثم فسقهم بتمام الآية فقال:{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}، وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله عز وجل ' .فهذه آيةً عظيمة تبين أهمية ووجوب هذه المحبة .
ويأتينا دليل عظيم، وبليغ في قول الحق: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ...[6]}[سورة الأحزاب].
 
وبين ابن القيم الدلالة على وجوب المحبة في هذه الآية من وجوهٍ كثيرة ضمنها أمرين:
 
الأول: أن يكون أحب إلى العبد من نفسه: لأن الأولوية أصلها الحب ونَفْسُ العبد أحب إليه من غيره، ومع هذا يجب أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم أولى به منها أي أولى به من نفسه وأحب إليه من نفسه، فبذلك يحصل له اسم الإيمان، ويلزم من هذه الأولوية والمحبة كمال الانقياد والطاعة والرضى والتسليم، وسائر لوازم المحبة من الرضى بحكمه، والتسليم لأمره، وإيثاره على ما سواه .
 
الثاني: أن لا يكون للعبد حكم على نفسه أصلاً: بل الحكم على نفسه لرسول صلى الله عليه وسلم، يحكم عليه أعظم من حكم السيد على عبده، أو الوالد على ولده، فليس له في نفسه تصرف إلا ما تصرف فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو أولى به من نفسه، أي بما جاء به عن الله عز وجل، وبلغهم من آياته وأقامه ونشره من سنته صلى الله عليه وسلم .
 
و قوله سبحانه:{ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ...[31]}[سورة آل عمران]. من الأدلة العظيمة الشاهدة على وجوب محبة النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا نزاع في أن محبة الله واجبة، وأن أتباع النبي ومحبته طريق إلى محبة الله. والآيات أكثر من أن تحصر في هذا المقام.
وأما أحاديثه صلى الله عليه وسلم فصريحة في الدلالة على وجوب هذه المحبة، ومن ذلك: قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ] رواه البخاري ومسلم.
 
وكذلك قصة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: فقد كان مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:' يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي' فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ لَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْكَ مِنْ نَفْسِكَ] فَقَالَ لَهُ عُمَرُ:'فَإِنَّهُ الْآنَ وَاللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي' فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الْآنَ يَا عُمَرُ] رواه البخاري.
و قول عمر الأول بمقتضى الأصل الطبعي في الإنسان أن أحب شيءٍ إليه نفسه، فلما أخبره النبي صلى الله عليه وسلم بالمصطلح الإيماني؛ أقرّ عمر بأنه بالمعنى الإيماني يفضل النبي، ويحب النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من نفسه، فقال له حينئذٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم: [الْآنَ يَا عُمَرُ].
ثم إن حبّ الإنسان نفسه طبع، وحب غيره اختيار- كما ذكر الخطابي- ولذلك عمر جوابه الأول ذكر الطبع، ثم بعد ذلك ذكر الاختيار الذي هو مقتضى الإيمان .
 
ومن هنا ذكر العلماء أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم على ضربين:
 
 أحدهما: فرض، وهو المحبة التي تقتضي الإيمان بنبوته، وبعثته، وتلقي ما جاء به بالمحبة والقبول، والرضى والتسليم .
ودرجةً ثانية هي: محبة مندوبة، وهي تقصي أحواله ومتابعة سنته، والحرص على التزام أقواله وأفعاله قدر المستطاع والجهد والطاقة .
ومن الأدلة كذلك: قول النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ثَلاث مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ أَنْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ]رواه مسلم.
ومن الأدلة كذلك: حديث جميل رائع قال فيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ]رواه مسلم .
فكلنا محب لرسول الله صلى الله عليه وسلم محبة وجوبٍ، ومحبة اختيارٍ وتعظيمٍ له عليه الصلاة والسلام، وأمر هذا الوجوب لا يحتاج لأدلة، فلعلنا ندرك عظمة هذا الوجوب عندما ندرك هذه النصوص الواضحة في أن محبته ينبغي أن تكون أعظم من محبة النفس التي بين جنبيك، وأنفاسك التي تتردد، وقلبك الذي يخفق، فضلاً عن محبة الزوج، والأبناء، أو الأمهات والآباء، فما أعظم هذه المحبة التي هي أعظم محبةٍ لمخلوقٍ من بني آدم في الدنيا، وفي الخليقة كلها، وهي التي استحقها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، ووجبت على كل مؤمنٍ بالله سبحانه.
 
ثالثًا: لماذا نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
 
هذا السؤال لنهيج القلوب والمشاعر لهذه المحبة، ولنؤكدها، ولنحرص على غرسها في سويداء القلوب والنفوس حتى تتحرك بها المشاعر، وتنصبغ بها الحياة، وتكون هي السمت والصبغة التي يكون عليها المسلم في سائر أحواله بإذن الله.
أولاً: نحبه؛ لأنه حبيب الله:ومن أحب الله؛ أحب كل ما أحبه الله، وأعظم محبوب من الخلق لله هو رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد قال عليه الصلاة والسلام: [وَلَكِنْ صَاحِبُكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ]رواه مسلم. يعني نفسه صلى الله عليه وسلم، والخلة هي أعلى درجات المحبة.
ثانيًا: لأن الله أظهر لنا كمال رأفته وعظيم رحمته صلى الله عليه وسلم بأمته: فنحن نحب الإنسان متى وجدناه بنا رحيماً، وعلينا شفيقًا، ولنفعنا مبادراً، ولعوننا مجتهداً .. فنحبه من أعماق قلوبنا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو في هذا الباب أعظم مَنْ رحمنا، ورأف بنا، وإن كان بيننا وبينه هذه القرون المتطاولة، قال تعالى:{ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ[128]}[سورة التوبة].
 
ولو أردنا أمثلةً لذلك؛ طال بنا المقام، فرسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما كان يقول: [لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي...]. وكم من الأحاديث الذي ورد فيها رقته ورحمته بأمته:
 كما في حديث: مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ قَالَ: أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدْ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدْ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ: [ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لَا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ]رواه البخاري ومسلم. رحمة بهم .
بل كان إذا سمع بكاء الصبي يخفف من صلاته رأفةً وشفقةً على قلب أمه به، وذلك من كمال رحمته وشفقته عليه الصلاة والسلام .
 ومن ذلك: كمال نصحه لأمته، وعنايته بتعليمهم، حتى قيل للصحابة: ' قَدْ عَلَّمَكُمْ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى الْخِرَاءَةَ'رواه مسلم. أي: حتى قضاء الحاجة، علم أمته كل شيء، وكان عليه الصلاة والسلام لا يدع فرصةً إلا ويعلمهم، ولا يدع فرصةً إلا ويقول: [ لِيُبَلِّغ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ] رواه البخاري ومسلم. حتى جئنا إلى أيامنا هذه وإلى ما بعدها، وكأن رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرنا نراه في يقظته ومنامه، بل نحن نعرف عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من سيرته أكثر مما نعرف عن أنفسنا .. لم يعرفوا منكم عن صغره من يعرف منكم حاله في نومه أو يقظته، رُصدت حياته صلى الله عليه وسلم، ورصد لنا وصفه وشعره كم شعرةً بيضاء في لحيته، كل ذلك في وصفٍ دقيقٍ بليغٍ، حتى كأن كل شيءٍ في حياته كأنما ورد في وضح النهار، وفي رابعة الشمس كما يقولون .
 
ثالثًا: من دواعي محبته صلى الله عليه وسلم: خصائصه وخصاله العظيمة: ويكفينا في ذلك قول الله:{ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ[4]}[سورة القلم]. واجتمع فيه ما تفرق من وجوه الفضائل والأخلاق والمحاسن في الخلق كلهم، فكان هو مجتمع المحاسن عليه الصلاة والسلام، وحسبنا ذلك في هذه الدواعي، وإلا فالأمر كثير ؛ فإن الذين مالت قلوبهم، وملئت حباً لرسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه، إنما سبى قلوبهم، واستمال أنفسهم بما كان عليه من الخلق وحسن المعاملة، وكمال الرحمة، وعظيم الشفقة، وحسن القول إلى غير ذلك من ما هو معلوم من شمائله عليه الصلاة والسلام .
 
رابعًا: مظاهر محبته صلى الله عليه وسلم وعلاماتها: فلكل شيءٍ دليل، ولكل إدعاءٍ برهان، ومن هنا

نذكر بعض هذه المعالم العظيمة المهمة من مظاهر وعلامات محبته صلى الله عليه وسلم:
 
أولها: محبته باتباعه، والأخذ بسنته صلى الله عليه وسلم: وكما قال ابن الجوزي مستشهدًا بقول مجنون ليلى:
إذا قيل للمجنون ليلى تريـد      أم الدنيا وما في طواياهـا
لقال غبار من تراب نعالها    أحب إلى نفسي وأشفى لبلواها
قال ابن الجوزي:' وهذا مذهب المحبين بلا خلاف، فكل محبٍ يكون أدنى شيءٍ من محبوبة أعظم إليه من كل شيءٍ في دنياه، فكان أدنى شيءٍ من الله، ومن رسوله أعظم وأحب إلى كل مؤمن من كل شيءٍ في دنياه ' .
قال ابن رجب رحمه الله في 'جامع العلوم والحكم':' فمن أحب الله ورسوله محبةً صادقةً من قلبه؛ أوجب له ذلك أن يحب بقلبه ما يحبه الله ورسوله، ويكره ما يكره الله ورسوله، ويرضى ما يرضى الله ورسوله، ويسخط ما يسخط الله ورسوله، وأن يعمل بجوارحه بمقتضى هذا الحب والبغض؛ فإن عمل بجوارحه شيئاً يخالف ذلك بأن ارتكب بعض ما يكرهه الله ورسوله، أو ترك بعض ما يحب الله ورسوله مع وجوبه والقدرة عليه، دلّ ذلك على نقص محبته الواجبة، فعليه أن يتوب من ذلك، ويرجع إلى تكميل المحبة الواجبة ' .
 
ثانياً : الإكثار من ذكره صلى الله عليه وسلم والصلاة عليه:
فمن أحب إنساناً أكثر ذكره، وأكثر ذكر محاسنه، فينبغي أن نعطر مجالسنا في كل وقتٍ وحينٍ بذكر مآثر النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرته وأحواله وشمائله، وهذا الذكر هو الذي يهيج هذه المحبة ويبعثها، وكثرة الصلاة عليه والسلام تترك هذا المعنى:{ إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[56]}[سورة الأحزاب].
 
وفي حديث أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: [ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ اذْكُرُوا اللَّهَ جَاءَتْ الرَّاجِفَةُ تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ] قَالَ أُبَيٌّ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أُكْثِرُ الصَّلَاةَ عَلَيْكَ فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلَاتِي فَقَالَ: [مَا شِئْتَ] قَالَ قُلْتُ الرُّبُعَ قَالَ: [مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ] قُلْتُ النِّصْفَ قَالَ: [ مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ] قَالَ قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ قَالَ: [مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ] قُلْتُ أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا قَالَ: [إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ] رواه الترمذي وأحمد .
قال الشراح: كان أُبّي يقصد أن له وردٌ من الدعاء دائم، فكان يصلي فيه على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: كم أجعل لك من ذلك ؟ قال زد حتى لو كان الحمد والثناء والصلاة على رسول الله عليه الصلاة والسلام ؛ فإنه وإن قلّ الدعاء يكون فيه ما وعد به النبي صلى الله عليه وسلم: [إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ].
ثالثاً: تمني رؤيته والشوق إليه: وتلك بعض مشاعر المحبة، وقد قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مِنْ أَشَدِّ أُمَّتِي لِي حُبًّا نَاسٌ يَكُونُونَ بَعْدِي يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ رَآنِي بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ]رواه مسلم .
وهذا بلال رضي الله عنه ذهب إلى بلاد الشام بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول : لم أطق أن أبقى في المدينة بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وكان إذا أراد أن يؤذن إذا جاء بقوله :' أشهد أن محمداً رسول الله ' تخنقه عبرته، فيبكي، فمضى إلى الشام وذهب مع المجاهدين، ورجع بعد سنوات، ثم دخل إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحان وقت الأذان، فأذن بلال، فبكى، وأبكى الصحابة بعد انقطاعٍ طويل غاب فيه صوت مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتذكروا بلالاً وأذانه، وتذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 
وكان بلال رضي الله عنه عند وفاته تبكي زوجته بجواره، فيقول: ' لا تبكي غدًا نلقى الأحبة محمداً وصحبه '.. فكان يشتاق للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو واحد من المبشرين بالجنة كما ثبت ذلك في الحديث. وهكذا روي عن حذيفة بن اليمان، وعن عمار بن ياسر رضي الله عنهم أجمعين كلهم روى أو ذكر القاضي عياض في الشفاء أنهم قالوا:'غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه ' .
 
رابعًا : محبة الكتاب الذي أنزل عليه، والذي بلّغه لأمته:
وهو معجزته الخالدة إلى قيام الساعة، كلام الله وكتابه العظيم، الذي فيه الهدى والنور، فمن أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب القرآن، والتعلق به .
 
خامسًا: محبة آل بيته صلى الله عليه وسلم:‌‌ومن أصول أهل السنة والجماعة أنهم يحبون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتولونهم، ويحفظون فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم .
 
خامسًا:الأسباب الجالبة لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم:
 
أولها: تعظيم محبة الله.
ثانياً: قراءة سيرته صلى الله عليه وسلم: اقرأوا السيرة، وعلموها أبنائكم، قال السلف:' كانوا يعلموننا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يعلموننا الآية من القرآن' .
ثالثاً: تذكر الأجر العاجل في الدنيا والآجل في الآخرة بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.
رابعاً: تولى الصحابة رضوان الله عليهم، والإكثار من ذكر سيرتهم.
خامساً: تعظيم السنة النبوية:حتى إذا قيل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون منك ما كان من الصحابة .. يقول الراوي كانوا إذا قيل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: اشرأبت الأعناق، وشخصت الأبصار، وأصغت الأسماع .. لا انصراف ولا التفات ولا تحرك، بل احترام وإجلال لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
سادساً: إجلال المحبين للسنة والعاملين بها: كل محدّثٍ، وكل عاملٍ بسنة، وكل ملتزمٍ للسنة نحبه؛ لأنه يذكرنا برسول الله صلى الله عليه وسلم
سابعاً: الذبّ عن السنة والدفاع عنها
 
سادساً:ثمار المحبة:
 
هذه المحبة في الدنيا عون على الطاعة، والإكثار من العبادة، وخفة ذلك على النفس، وإقبال الروح على مزيدٍ من الطاعات .. وأما في الآخرة فحسب المحبة أن تكون نجاته من النار، ولحوقاً برسول الله صلى الله عليه وسلم كما قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ]رواه البخاري ومسلم.
 
سابعًا:وقفة أخيرة:محبة النبي صلى الله عليه وسلم بين الغلو والجفاء:
 
هذه المحبة التي قلناها ما بال بعضنا يفسدها بغلوٍ يخرج عن حد الاعتدال، أو جفاءٍ يبتعد فيه المسلم عن حق رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعظيم محبته عليه الصلاة والسلام؟
الغلو خرج به قوم إلى صورٍ كثيرة لا تخفى عليكم من حيث الواقع، ولكني أذكرها من حيث المنهج والمبدأ .
 
من يجعل المدح مدخلاً لذكر ما هو خاص مستحق لله لا يجوز أن يشاركه فيه غيره، ولا أن يوصف به غيره، ولو كان هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يُدعى لرسول الله عليه الصلاة والسلام ما هو من حق الله، وخصائص الله سبحانه، وهذا يأباه النبي صلى الله عليه وسلم !
وقد علّمه للناس في وقته وفي زمانه، كما قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [إِذَا حَلَفَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ وَلَكِنْ لِيَقُلْ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ شِئْتَ] بعضهم يقولون هذه الألفاظ تعبير عن المشاعر، ولا نقصد بها عين الألفاظ ! نقول: هل أنتم أعلم أو أحكم من رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ لِمَ لم يترك التنبيه على الألفاظ إذا كانت ليست مؤثرة في النفس، والفكر والعقل !!
 
وضرب آخر من الغلو وهو: الإتيان بالمخالفات عملية وفعلية لسنة وهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم: بادعاء للمحبة، أو في أوقات وأفعال وأحوالٍ تُدعى فيه محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالاجتماع لمحبته مع وجود الاختلاط، أو وجود ما هو مذموم من الغناء، أو بادعاء أمورٍ غيبية من حلول روحه، أو من تجسد روحه، أو من رؤيته، ونحو ذلك .. وهذه الأمور التي لا تثبت، وهذا الادعاء ليس له دليل، وليس له حجة .
 
 
ثم أمر ثالث أيضاً في هذا الغلو وهو: الإدعاء والاختراع لأمورٍ وأقوال وأحوال لم تثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
النبي عليه الصلاة والسلام علمنا الصلاة عليه، ووردت لنا في أحاديثه صيغ كثيرةٍ من الصلوات، ولكن أن نخصص صلوات معينة، لا بد أن تحفظ، وأن تذكر بعددٍ من المرات، من أين لنا هذا ؟ ومن أين لنا أن نوجب على الناس، أو أن نسنّ لهم، أو أن نشرّع لهم ما لم يشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلامه أوثق وأقوى، وهو الذي أوتي جوامع الكلم عليه الصلاة والسلام .
ونجد كذلك هناك ادعاءات كثيرة فيما يتعلق بالأقوال والأحاديث، بعضها ضعيف، وبعضها موضوع، وبعضها لا يثبت، ومع ذلك كل هذا يقال، وينسب لرسول صلى الله عليه وسلم بادعاء الرغبة في المحبة ! أو التحليل، وهذا كله خارج حد الاعتدال .
 
 
وأما الجفاء: فكذلك إن كنا ننكر الغلو ونحذر منه فكذلك الجفاء، ومن صور الجفاء ترك زيارة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، أو ترك السلام على رسول الله عليه الصلاة والسلام، وترك التعلق بسنته.
ومن الجفاء: ردّ الأحاديث الصحيحة، بموجب مقتضيات عقولهم، يقول لك : نعم هذا حديث ! لكن هذا لا يعقل، وهذا لا يصلح في هذا الزمان ! هذا كله ضربٌ من المخاطر العظيمة في شأن المحبة، بل في شأن الإيمان بنبوة الرسول صلى الله عليه وسلم .
العدول عن سيرته .. عدم الهيبة والتعظيم والإجلال عند ذكره، أو ذكر حديثه .. لماذا لا نعظم الرسول صلى الله عليه وسلم؟ لماذا لا نثير هذه السيرة ؛ لتكون المحبة أعظم في القلوب؟ .
 
من أعظم الهجر والجفاء لمحبة النبي صلى الله عليه وسلم: الابتداع، كل مبتدعٍ يتلبس بدعةً يخالف فيها سنة النبي صلى الله عليه وسلم فهو ضرب من الجفاء، كأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول له افعل كذا، وهو يفعل غيره ونقيضه ! وهذا أمرٌ عظيمٌ جداً .

من أهم الأمور في الجفاء: ترك الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم.
 
وكذلك: عدم معرفة قدر الصحابة وذمهم: كيف تدعي حبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تذمّ أصحابه الذين كانوا عن يمينه وعن يساره، الذين فدوه بأرواحهم، وجعلوا صدورهم دروعاً تتلقى السهام ؛ ليذودوا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ كيف يمكن لأحدٍ أن يدعي المحبة وهو يذمّ أو يتهم أو يشنع على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين ؟
 
من الجفاء: عدم العناية بالسيرة النبوية، وعدم معرفة الخصائص والخصال: خصال النبي صلى الله عليه وسلم وخصائصه عظيمة جداً، أكثرها لا يعرفها الناس، ولا يعرفون أحاديثه الثابتة، ولا المعجزات المادية، ومن المهم أن نذكرها.
أسأل الله أن يعظم محبة رسوله في قلوبنا، وأن يجعل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم عندنا من محبة أنفسنا، وأن يجعل محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم طمأنينة قلوبنا، وانشراح صدورنا، وأن يجعل محبته عوناً لنا على طاعة الله عز وجل، وحسن الصلة به.
 
                         من محاضرة:'مَحَبَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ' للشيخ/ علي بن عمر بادحدح


 
 
 
أنشرها ولك الأجر والثواب إنشاء الله

Makke